داعش وصلت كندا

سعيد شعيب

قال لي بحقدٍ وغل: إنهم خنازير، ينامون (يقصد ممارسة الجنس) مع الكلاب. لذلك لا يُنجبون، ليس لديهم مواليد. إنهم يحتاجون إلينا أكثر مما نحتاج إليهم. وأضاف بحزم: لماذا لا تستفيد منهم بقدر ما تستطيع.

الرجل مهاجرٌ قادمٌ من دولةٍ عربية إلى كندا، ويدافع بشراسة عن حزب النهضة التونسي، وبالطبع عن الإخوان. ومع ذلك فهو ينفي نفياً قاطعاً انتمائه إلى أي منهم. هو ليس الوحيد الذي قابلته هنا في رحلتي العلاجية في كندا، فثَمة كثيرون، من مصر ومن غير مصر. هؤلاء يشكلون الأرضية الخِصبة التي ستنبت مثل داعش وأخواتها في الوقت المناسب، أي عندما يمتلكون القوة. يكرهون أهل هذا البلد، رغم أنه منحهم ما لم تستطع بلدانهم منحهم إياه. أمان، تعليم وصحة ووظيفة وجنسية. وحرية لا حدود لها في أن تُمارس ما تشاء من عبادات، وأن تدعو إلى ما تشاء من أفكار. المحظور الوحيد هنا هو الاعتداء على حريات الآخرين. والدعوة إلى العنف أو الانتماء أو مساعدة المنظمات التي تصنفها الحكومة هنا بأنها "إرهابية".

لماذا إذن يأتون إلى بلاد "الكفرة"؟

يعتبرونه نوعًا من أنواع الجهاد. أي يتنعمون بنعيم البلد، ويدعون إلى رسالتهم، وينجبون الكثير من الأطفال، ويستعدون لليوم الموعود عندما يُصبح "المسلمون أغلبية"، وينْقضون ساعتها على البلد ومن فيها. وأظن أنهم ساعتها لن يختلفوا عن داعش، فهي الوجه الحقيقي للتطرف دون أي مكياج.

هذا يذكرني بصديقي الأكاديمي الإيطالي الذي أعطاني "بروشور" لمدرسة تدعمها الحكومة من أموال دافعي الضرائب، لتدريس القرآن الكريم واللغة العربية. ورقة تعريف المدرسة مكتوب عليها: "أمس غزونا القسطنطينية وغدا نغزو روما”. ويسألني صديقي: لماذا يفعلون ذلك؟ ماذا فعلنا لهم؟ فهم يعيشون بيننا لهم ذات الحقوق وعليهم ذات الواجبات؟

ليس لدي إجابة جاهزة. فالإجابات الجاهزة لم تعد تصلح. فإذا قلنا إن مجتمعاتنا التي يعشش فيها الاستبداد والفقر هي التي تُنتج التطرف، فهذا غير موجود في كندا ولا في الغرب. لذلك هم لا يفهمون لماذا يترك مواطن أسترالي من أصل لبناني البلد الذي منحته كل شيء، ليلتحق بداعش ويلتقط الصور هو وطفله وهم يحملان "رؤوس أعداء الإسلام”؟ ولا يفهمون لماذا يوزعون منشورات في قلب لندن ليدعوا المسلمين للهجرة إلى "دولة الخلافة"؟ ومع ذلك لم يتم القبض عليهم، كما قالت صحيفة الشرق الأوسط، لأن البوليس يدرس ما إذا كانت هذه المنشورات مخالفة للقانون أم لا. إنهم لا يفهمون لماذا يقتل إنسان آخر لأنه مختلف معه في العقيدة.

لذلك هنا في كندا، هناك رعب، ليس فقط مما يحدث في الشرق الأوسط من داعش وغيرها، لكن أيضاً من المواطنين المسلمين. ليس بمعنى الفوبيا، ولكن بمعنى أن رهانهم على اندماج هذه الجاليات في البلد أصبح غير موثوق فيه. ليس بالطبع كل المسلمين، فهناك طوائف كثيرة مندمجة مثل الأحمدية والإسماعيلية. كما أن في الغالب لا تأتي المشاكل إلا من بعض المسلمين من أهل السنة القادمين من الشرق الأوسط.

حتى رهانهم بأن المشاكل قد تأتي من الجيل الأول أصبح مشكوك فيها أيضاً، فهناك شاب كندي مسلم من الجيل الثاني أصبح عضواً في التنظيمات الإسلامية المتطرفة التي تحمل السلاح ضد نظام الأسد وقُتل هناك.

هذا الرعب هو الذي دفع حزب المحافظين الحاكم في كندا إلى إصدار قانون مُتعسف ضد المهاجرين الجدد. أهم ما فيه أن من حق الحكومة سحب الجنسية إذا ما شكت في انتماء أي كندي لأي تنظيم إرهابي. وهو الذي دفع الحكومة مؤخراً لأن تقدم الدعم العسكري للأكراد في مواجهة داعش، رغم أن كندا كدولة لا تميل إلى التورط في صراعات خارجية. لكن هذا وحده لا يكفي. وهو ما يعلمه الكثيرون هنا. فهم حتى الآن مثلنا في الشرق الأوسط لم يصلوا إلى إجابات تقربهم من فهم الظاهرة التي تُرعب العالم. وهم في الغالب مثلنا لم تعد ترضيهم الإجابات الجاهزة القديمة. فهم ونحن لا نعرف ماذا نفعل؟

لكن دون شك نحن الأكثر قدرةً على تقديم الإجابات، فهذا هو ديننا وهذه هي أوطاننا.


2014 united copts .org
Copyright © 2020 United Copts. All Rights Reserved.
Joomla! is Free Software released under the GNU General Public License.