توفيق الحكيم و"حديث الذبابة".. معارك "الشوك" في حياة "الشعراوي"

لم تكن معركة الشيخ محمد متولي الشعراوي مع الكاتبة فريدة الشوباشي هي آخر المعارك التي ترصد العلاقة المضطربة بين القوى الناعمة الممثلة في المثقفين، وبين رجال الدين، والتي على مدار السنوات الفائتة وحتى اليوم لم تسمح لقلم الكاتب أن يحلق بعيدًا عن سمائهم، ما جعل المعارك تحسم في نهاية الأمر لصالح الداعية من أجل محاكمة المبدع وتجاهل مطالب القوى الناعمة بحرية التعبير، ولم تتخذ المعارك بين كل الأطراف السابقة من سلامة النية نقطة انطلاق للغفران.


وخلال حياة "الشعراوي" لم تخمد نيران معاركه مع رموز القوى الناعمة، لتعيد رسم خرائط العداء بين الدعاة والمثقفين ورموز التحرر النسائي ليصبح "الكفر والتجرؤ على الذات الإلهية ومخالفة الشريعة الإسلامية" اتهامات وأشواك تكلل رؤوس كل من يقف في مواجهة ثوابت الدين.


سجدة للهزيمة


تلك المعارك التي لونت حياة الشيخ "الشعراوي" في حياته، وبعد مماته أيضًا والتي عبرت عنها الأزمة الآخيرة التي أصبحت فريدة الشوباشي بطلتها مؤخرًا بعد هجومها على سجود "الشعراوي" للنكسة، والتي أكد خلالها أن فرحته كانت استنادًا إلى خوفه من النصر، ومصر في قطب الشيوعية.


وتعيد تلك الأزمة الأخيرة التي واجهتها "الشوباشي" المعارك التي لاحقت "الشعراوي" في حياته مع عدد كبير من الرموز الثقافية والسياسية والبرلمانية نستعرضها في التقرير التالي..


حديث مع الله


اشتهر الشيخ "الشعراوي" بمعركته الشهيرة مع الكاتب الكبير توفيق الحكيم، الذي وجد نفسه بعد سلسلة مقالاته الشهيرة "حديث مع الله" تحت مقصلة محاكمة "الشعراوي"، ليشعل تبدل الحروف حربًا كبيرة بينه وبين "الشعراوي" الذي وجد أن استبدال حرف "مع" بحرف "إلى" ضروري لحسن الأدب مع الله، وحينها جند الداعية الراحل قلمه هو أيضًا لكتابه سلسلة مقالات شن خلالها هجومًا كبيرًا على "الحكيم"، حيث وصف حديثه أنه من قبيل "التطاول على الذات الإلهية".


وبدأ "الشعراوي" في مغازلة مشاعر العامة بقوله: "إن الدين ليس له صاحب في مجتمعنا بدليل أن المنسوبين إلى الدين حينما تعرضوا لنظام الحكم سجنوا"


واستمرت مسيرة الهجوم من جانب "الشعراوي" على  "الحكيم"، وهو ينتقده : "عجبت من رجل يعتبرونه شيخ الكتاب يعلن أنه لم يعد صالحاً لأن يكتب مسرحيات، أى أنه لا يصلح لكتابة بشر إلى بشر ثم يتسامى إلى أن يتكلم مع الإله!!" بل واصل: "هذه أول مرة أسمع فيها أن الله كلم واحدًا من البشر من غير الأنبياء والرسل".

 

وفي مقال آخر في مجلة "اللواء الإسلامي" بتاريخ 17 مارس 1983 قال: "لقد شاء الله ألا يفارق هذا الكاتب الدنيا إلا بعد أن يكشف للناس ما يخفيه من أفكار وعقائد كان يهمس بها ولا يجرؤ على نشرها.. وشاء الله ألا تنتهي حياته إلا بعد أن يضيع كل خير عمله في الدنيا فيلقى الله بلا رصيد إيماني".


معركته مع يوسف إدريس


المعركة لم تقتصر على "الشعراوي" و"الحكيم" ولكنها امتدت إلى عدد من الكتاب الذين وجدوا أنفسهم في جناح الدفاع عن "الكاتب"، وحقه في التعبير عن رأيه بالطريقة التي يجدها مناسبه لقلمه، وكان أبرزهم يوسف إدريس الذي تضامن مع "الحكيم"، وكتب مقالًا في الأهرام، أبريل 1983، بعنوان «عفوًا يا مولانا»، قال فيه إن الشيخ "يتمتع بكل خصال راسبوتين المسلم، قدرة على إقناع الجماهير البسيطة، وقدرة على التمثيل بالذراعين وتعبيرات الوجه، وإن له قدرة على جيب كبير مفتوح دائمًا للأموال، وأنه يملك قدرات أي ممثل نصف موهوب".


وهنا هاج عدد كبير من أنصار الشيخ على "إدريس"، بل كتب حينها وزير الثقافة أحمد هيكل، ردًا على "إدريس" أن هذا الكلام ساقط، بل أكد على أن "الشعراوي مفخرة لمصر"، كما حلق عدد من الكتاب بعيدًا عن سرب الدفاع عن مقالات "الحكيم" أو القبول بآراء "إدريس" في هجومه على الشيخ، وكان بينهم الكاتب سعد الدين وهبة، الذي وصف في أحد تصريحاته كلام إدريس أنه: "ليس له صلة بأي فكر أو ثقافة، هذا سقوط من الكاتب وإسفاف"، وانضم وكيل مجلس الشعب، المستشار أحمد موسى، في الرد على «إدريس» قائلا «هذا شيء مؤسف حقيقة، هذا الكلام لا يهدم الشيخ بل يهدم من كتبه"، كما شارك نقيب المحامين، أحمد الخواجة، قائلًا: "هذا الكلام لا صلة له بالخلاف في الرأي بل هو قذف في حق الآخرين".


معركته مع زكي نجيب محمود


معركة "الشعراوي" مع "الحكيم" لم تخمد نيرانها، وزاد من إشعالها تصاعد الأقطاب الأجنحة المؤيدة والرافضة، بين "الحكيم" و"الشيخ" حيث تضامن مع "الحكيم" المفكر الدكتور زكي نجيب محمود، والذي اشتهر بمقالاته وكتاباته المستنيرة، التي دعت إلى تجديد الخطاب الديني من أجل التنوير، والذي كان من بين الكتاب الذي هاجمهم "الشعراوى" لدفاعه عن "الحكيم"، ولقيادة دفة الهجوم استدعى "الشعراوي" معركة "إنكار حديث الذبابة الشهير"، والذي يؤكد أنه "إذا سقط الذباب فى إناء أحدكم فليغمسه فإن فى إحدى جناحيه داء وفى الآخر دواء"، وهو ما رفضه زكى نجيب محمود استنادا إلى العقل


ما جعل "الشعراوي" يهاجمه ويؤكد بقوله: "لا يجب أن نعتمد على حديث العقل كوسيلة للحكم بقبول الحديث أو رفضه، لأن العقل وحده مقصور عن إدراك كل الأمور من جميع جوانبها، وقد رفض العقل قديمًا أحاديث لمعارضتها لمنطق الإنسان وعقله".

 

وفى تلك المعركة الممتدة في حياة "الشعراوي" مع المثقفين لجأ "توفيق" المعروف بحكمته إلى الاعتذار في نهاية الأمر، وقال جملته الشهيرة: «أخشى أن أكون مخطئاً في حديثى إليك، وألتمس منك المغفرة لمن ظلمني ولي إن كنت سهوت أو أخطأت".


تحرير المرأة


وخلال مسيرة "الشعراوي" لم تخمد نيران مواجهته باتجاه آراء المثقفين، وخاصة مع الحركة النسائية التي طالبت بتحرر المرأة حيث هاجم أنصارها، وهو يؤكد :"أن وضع المرأة حاليًا تحلل وانفلات.. والمرأة إذا اضطرتها الظروف للعمل فلتعمل، أما إذا لم تضطرها الظروف لذلك فالواجب أن تلزم بيتها ولا تخرج منه إلا لضرورة، والضرورة تؤخذ على قدرها، ومسئولية المرأة عن أطفالها لا تعادلها أية مسؤولية أخرى، ولو أتيت للطفل بألف مربية لا يمكن أن يكون لها ربع قلب الأم، وهو ما جعله يدخل حربا مع أنصار تحرير المرأة".


تحرر المرأة


معركته مع "عاشور" عضو حزب الوفد


وانضمت إلى معارك "الشعراوي" تلك المعركة الكبيرة التي شهدها البرلمان بينه وبين الشيخ عاشور محمد نصر، عضو المجلس عن حزب "الوفد" بسبب الاستجواب الشهير الذي قدمه النائب عادل عيد "مستقل" عن الفساد داخل المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، واتهم فيه "الشعراوي" الذي شغل حينها منصب وزير الأوقاف بالتهاون في استخدام حقوقه وأدواته لمواجهة حالة الفساد المستشرى داخل وزارته، والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وهو ما رفضه "الشعراوي"، قائلاً: "هذا الدور يجب أن يلعبه مجلس الشعب، وهو لم يتحرك من خلال آليات الرقابة التي يمتلكها لمواجهة الفساد".


وتطور النقاش حينما استكمل الشيخ الشعراوي كلامه، مضيفًا: "لو كان لي في الأمر شيء لحكمت للرجل الذي رفعنا تلك الرفعة، وانتشلنا إلى القمة ألا يُسأل عما يفعل"، وكان يقصد بعبارته تلك التي أثارت ضجة داخل قاعة البرلمان الرئيس محمد أنور السادات، فصفقت الأغلبية، إلا أن هذا الكلام لم يعجب الشيخ عاشور، نائب الوفد، فصاح في وجه الشعراوي قائلاً «اتقِ الله يا رجل، اتق الله، مفيش حد فوق المساءلة، يجب أن ترعى الله في كلامك".


ورد عليه الشيخ الشعراوي بغضب وتجهم: "اجلس، اجلس، أنا أعرف الله أكثر منك وخيرًا عنك"، ومع تطور الأمر اضطر المهندس سيد مرعي، رئيس المجلس، لمطالبة الأعضاء بالهدوء، وقرر إحالة واقعة النائب "عاشور" إلى اللجنة التشريعية لاتخاذ ما يلزم حيالها، وصوت المجلس على خروج "عاشور" من القاعة، فظل يردد أثناء خروجه "ده مش مجلس الشعب، ده مسرح مجلس الشعب".


أزمة الشعراوى وعاشور


قانون الأحوال الشخصية


ولم يسلم قانون الأحوال الشخصية من معارك "الشعراوي" التي قادها ضد السيدة الأولى في عهد السادات، جيهان السادات، التي رأى أن بعض نصوصه تخالف العقيدة الإسلامية، وكان هذا وقت منصب وزارة الأوقاف، وخلالها رفض "الشعراوي" القانون قوة، ولم يصدر إلا بعد أن ترك منصبه.


2014 united copts .org
Copyright © 2019 United Copts. All Rights Reserved.
Joomla! is Free Software released under the GNU General Public License.